الألوهية بين اليهودية والإسلام
يحتار الباحث كلما هم بالبحث في حقيقة مفهوم الألوهية في
الديانة اليهودية، وترجع هذه الحيرة إلى تعدد المصادر واختلافها وتنوعها.
فإله إسرائيل هو سيد التاريخ ، الله
الخالق العظيم، هو عظيم، ولكنه في الوقت ذاته إله حي"وَلكِنْ
حَيٌّ أَنَا فَتُمْلأُ كُلُّ الأَرْضِ مِنْ مَجْدِ الرَّبِّ"[1] "إِنِّي
أَرْفَعُ إِلَى السَّمَاءِ يَدِي وَأَقُولُ: حَيٌّ أَنَا إِلَى الأَبَدِ"[2]
ويظهر
الإله في الكتاب المقدس مشخصا، يُتوَجّه إليه ويُنادى باسم محدد له متفق عليه :
" أدوناي" Adoni ، "إيل" El ،"إلوه"Eloah ، " "إلوهيم"Elohim، هو المنقد لإسرائيل، واسمه
الحقيقي الذي كشفه لموسى هو "يهوه"yahvh، وأكسبوه من القدسية حتى حرم نطقه[3]
كثرت أسماء إله اليهود وتعددت وجل
مصادرهم لا تشير إلى الإله الواحد الأحد إلا بعد سيطرته على باقي الآلهة"أَنَا
هُوَ الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ
الْعُبُودِيَّةِ.لا يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي."[4]
وجعلوا منه إلها لهم دونا عن البشرية
جمعاء مسخر لخدمتهم "وَأَسْكُنُ
فِي وَسَطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، فَيَعْلَمُونَ أَنِّي
أَنَا الرَّبُّ إِلهُهُمُ الَّذِي أَخْرَجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ لأَسْكُنَ فِي
وَسْطِهِمْ. أَنَا الرَّبُّ إِلهُهُمْ."[5]
تاه اليهود عن حقيقة إلههم وتاهوا عن
العبادة الحقة، نتيجة تيههم عن المصدر الحقيقي للعقيدة والمتمثل في وحي السماء
واتبعوا مصادر أخرى من صنع أيديهم... ولم يستطيعوا في أي فترة من فترات تاريخهم أن
يستقروا على عبادة الله الواحد الذي دعا إليه الأنبياء، وتعد كثرة أنبيائهم دليلا
على تجدد الشرك فيهم[6]
فقد تحول الخالق
بقدرة قادر في كتبهم وإسفارهم إلى مخلوق بل وكانوا يحاجون الرسول الكريم صلى الله
عليه وسلم بذلك، جاء عن الطبري في تفسيره
أنه"حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة قال: ثني بن إسحاق عن محمد عن سعيد
قال:" أتى رهط من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يامحمد هذا
الله خلق الخلق، فمن خلقه؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتفع لونه، ثم
ساورهم غضبا لربه، فجاء جبريل فسكنه وقال :" اخفض عليك جناحك يا محمد"
وجاءه من الله جواب ما سألوه عنه، قال يقول الله تبارك وتعالى:" قل هو الله احد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم
يكن له كفوا أحد"[7].
بهذا الشكل كان وما
زال اليهود يتهجمون على الذات الإلهية بجرأة غريبة مما أدى بهم إلى الكفر بالألوهية ، و كان في سؤالهم ذاك
إنكارهم التام لوحدانية الله تعالى، وفي " هذا الرد الإلهي – سورة الإخلاص- لسؤالهم كشف
للمغالطة التي أرادوا أن يصوروها بصورة إشكال فلسفي، وذلك لأن هؤلاء اليهود يزعمون
أنهم يؤمنون بموسى رسول الله، ويؤمنون بان الله خالق كل شيء، ومعلوم أن من كان
يؤمن بالله هذا الإيمان فلابد أن يعلم أن الله هو الموجود الثابت، الذي لا يفتقر
وجوده إلى شيء، لأنه لا يقبل العقل بحال من الأحوال عدم وجوده"[8]
وقد أشار السيوطي في كتابه الدر
المنثور إلى انحراف اليهود في توحيد الله وإشراكهم به على الرغم من إدراكهم أنه
إله واحد فرد صمد كما ورد في توراتهم وإنجيلهم، وأورد قوله تعالى( الّذيِ
جَعَل لَكُم الأرْضَ فِراشا والسَّمَاءَ بِناءً وأَنْزَلَ من السَّماءِ ماءً
فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكم فلا تَجْعَلُوا لَلَّهِ أندادا
وأنتم تَعْلَمون)[9]
ويمكن عرض نظرة
اليهود للإله من خلال التوراة لتقريب الصورة للأذهان والتعرف أكثر على عقيدتهم
وبعدهم الكبير عن الحقيقة، فقد جسموا الله تعالى عما يصفون" ووصفوه بكثير من
صفات النقص والضعف والكذب والغفلة والجهل وأشركوا معه آلهة آخرين ..... واعتقد
اليهود في كتبهم المحرفة أن لهم إلها خاصا بهم
وهم أولاده وأحباؤه[10]
وبنو إسرائيل لم يتخلوا أبدا عن وتثنيتهم حتى مع مجيء موسى عليه
السلام حيث عبدوا العجل وما جاء في توراتهم عن وثنيتهم هاته""وَبَنَى
يَرُبْعَامُ شَكِيمَ فِي جَبَلِ أَفْرَايِمَ وَسَكَنَ بِهَا. ثُمَّ خَرَجَ مِنْ
هُنَاكَ وَبَنَى فَنُوئِيلَ. وَقَالَ يَرُبْعَامُ فِي قَلْبِهِ: «الآنَ تَرْجعُ
الْمَمْلَكَةُ إِلَى بَيْتِ دَاوُدَ. إِنْ صَعِدَ هذَا الشَّعْبُ لِيُقَرِّبُوا
ذَبَائِحَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ فِي أُورُشَلِيمَ، يَرْجعْ قَلْبُ هذَا الشَّعْبِ
إِلَى سَيِّدِهِمْ، إِلَى رَحُبْعَامَ مَلِكِ يَهُوذَا وَيَقْتُلُونِي،
وَيَرْجِعُوا إِلَى رَحُبْعَامَ مَلِكِ يَهُوذَا». فَاسْتَشَارَ الْمَلِكُ
وَعَمِلَ عِجْلَيْ ذَهَبٍ، وَقَالَ لَهُمْ: «كَثِيرٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تَصْعَدُوا
إِلَى أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّذِينَ أَصْعَدُوكَ
مِنْ أَرْضِ مِصْرَ». وَوَضَعَ وَاحِدًا فِي بَيْتِ إِيلَ، وَجَعَلَ الآخَرَ فِي
دَانَ. وَكَانَ هذَا الأَمْرُ خَطِيَّةً. وَكَانَ الشَّعْبُ يَذْهَبُونَ إِلَى
أَمَامِ أَحَدِهِمَا حَتَّى إِلَى دَانَ. وَبَنَى بَيْتَ الْمُرْتَفَعَاتِ،
وَصَيَّرَ كَهَنَةً مِنْ أَطْرَافِ الشَّعْبِ لَمْ يَكُونُوا مِنْ بَنِي لاَوِي.
وَعَمِلَ يَرُبْعَامُ عِيدًا فِي الشَّهْرِ الثَّامِنِ فِي الْيَوْمِ الْخَامِسَ
عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ، كَالْعِيدِ الَّذِي فِي يَهُوذَا، وَأَصْعَدَ عَلَى
الْمَذْبَحِ. هكَذَا فَعَلَ فِي بَيْتِ إِيلَ بِذَبْحِهِ لِلْعِجْلَيْنِ
اللَّذَيْنِ عَمِلَهُمَا. وَأَوْقَفَ فِي بَيْتِ إِيلَ كَهَنَةَ الْمُرْتَفَعَاتِ
الَّتِي عَمِلَهَا. وَأَصْعَدَ عَلَى الْمَذْبَحِ الَّذِي عَمِلَ فِي بَيْتِ إِيلَ
فِي الْيَوْمِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ الثَّامِنِ، فِي الشَّهْرِ
الَّذِي ابْتَدَعَهُ مِنْ قَلْبِهِ، فَعَمِلَ عِيدًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ،
وَصَعِدَ عَلَى الْمَذْبَحِ لِيُوقِدَ."[11]
وبعده تأثروا بمعبودات غيرهم
كمعبودات الكنعانيين وهو أمر تم التصريح به في توراتهم:" فَسَكَنَ
بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي وَسَطِ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالْحِثِّيِّينَ
وَالأَمُورِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ،
وَاتَّخَذُوا بَنَاتِهِمْ لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً، وَأَعْطُوا بَنَاتِهِمْ
لِبَنِيهِمْ وَعَبَدُوا آلِهَتَهُمْ. فَعَمِلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ الشَّرَّ فِي
عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَنَسُوا الرَّبَّ إِلهَهُمْ وَعَبَدُوا الْبَعْلِيمَ
وَالسَّوَارِيَ"[12]
وجعلوا منه إله يقبل بالقرابين بل ويضع شروطا في القربان
المقدم إليه"وَدَعَا الرَّبُّ
مُوسَى وَكَلَّمَهُ مِنْ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ قَائِلاً: «كَلِّمْ بَنِي
إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: إِذَا قَرَّبَ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ قُرْبَانًا
لِلرَّبِّ مِنَ الْبَهَائِمِ، فَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ تُقَرِّبُونَ
قَرَابِينَكُمْ. 3إِنْ كَانَ قُرْبَانُهُ مُحْرَقَةً مِنَ الْبَقَرِ،
فَذَكَرًا صَحِيحًا يُقَرِّبْهُ. إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ يُقَدِّمُهُ
لِلرِّضَا عَنْهُ أَمَامَ الرَّبِّ............... وَإِنْ كَانَ قُرْبَانُهُ مِنَ الْغَنَمِ الضَّأْنِ
أَوِ الْمَعْزِ مُحْرَقَةً، فَذَكَرًا صَحِيحًا يُقَرِّبُهُ. وَيَذْبَحُهُ عَلَى
جَانِبِ الْمَذْبَحِ إِلَى الشِّمَالِ أَمَامَ الرَّبِّ، وَيَرُشُّ بَنُو هَارُونَ
الْكَهَنَةُ دَمَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ مُسْتَدِيرًا "[13]
والأمر كذلك في مواضع من سفر اللاويين نجد صورة الإله الخالق لا فرق بينه
وبين صنم يعبد من صنع الإنسان تقدم له القرابين توددا وتقربا وتكفيرا عن الآثام،
إله يفصل في نوع القربان المقدم إليه ويفرق فيه بين الغث منه والسمين وبين الذكر
فيه والأنثى، ويفرق بين العامة والخاصة في تقديمها "إِذَا أَخْطَأَ رَئِيسٌ
وَعَمِلَ بِسَهْوٍ وَاحِدَةً مِنْ جَمِيعِ مَنَاهِي الرَّبِّ إِلهِهِ الَّتِي لاَ
يَنْبَغِي عَمَلُهَا، وَأَثِمَ، ثُمَّ أُعْلِمَ بِخَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ
بِهَا، يَأْتِي بِقُرْبَانِهِ تَيْسًا مِنَ الْمَعْزِ ذَكَرًا صَحِيحًا"[14] "وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ مِنْ عَامَّةِ
الأَرْضِ سَهْوًا، بِعَمَلِهِ وَاحِدَةً مِنْ مَنَاهِي الرَّبِّ الَّتِي لاَ
يَنْبَغِي عَمَلُهَا، وَأَثِمَ، 28ثُمَّ أُعْلِمَ بِخَطِيَّتِهِ
الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا، يَأْتِي بِقُرْبَانِهِ عَنْزًا مِنَ الْمَعْزِ أُنْثَى
صَحِيحَةً عَنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ"[15]
قرابين تختلف باختلاف طبقات المجتمع،
وهذه صورة من صور الشرك اليهودي المتعددة
والمتنوعة.
[6] - طارق
خليل، مقارنة الأديان ( دراسة في عقائد ومصادر الأديان السماوية: اليهودية
والمسيحية والإسلام، والأديان الوضعية: الهندوسية والجينية والبوذية)، دار العلوم
العربية للطباعة والنشر-بيروت- ، الطبعة الأولى، 1425هـ/2005م، ص.102
[7] -سورة
الإخلاص، الآية:1-4 محمد بن
جرير بن يزيد خالد الطبري أبو جعفر،تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار
النشر: دار الفكر-بيروت- 1405هـ ، ج24، ص.28
[8] -
عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني، مكايد اليهود، دار القلم ، دمشق الطبعة الثانية،
1397هـ/1978م، ص.35
[10] - أحمد العبد البرديني، عقائد اليهود من خلال
الحوار مع النبي صلى الله عليه وسلم ، رسالة
جامعية ، تحت إشراف :الدكتور جابر زايد عبد السميري، الجامعة الإسلامية، غزة،
2010م ، ص.51
مرحبا بأراء القراء
ردحذف